المناوي

24

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

الثالث : خلوة لدفع الوحشة من مخالطة غير الجنس والشّغل بما لا يعني . الرابع : خلوة لطلب زيادة توجد فيها . وخلوة حضرة الرّسالة من النوع الأول ، فكان بعيدا من المخالطات حتّى من الأهل والمال ، واستغرق في بحر الأفكار القلبية فانقطع عن الأضداد بالكليّة ، وظهر له من الأنس والجلوة ، بتذكّر من له الخلوة ، ولم يزل في ذلك الأنس ، ومرآة الوحي تزداد ، من الصّفاء والصقال حتى بلغ أقصى درجات الكمال والمراد ، فظهرت تباشير صبح الدّجى وأشرقت ، وانتشرت بروق السّعادة وتألّقت ، وصار لا يمرّ بشجر ولا حجر إلّا قال بلسان فصيح : السّلام عليك يا رسول اللّه . فينظر يمينا وشمالا ، فلا يرى شبحا ولا خيالا . فبينما هو كذلك - وذلك عند مضي أربعين عاما من عمره - قائم على جبل حراء إذ ظهر له شخص ، فقال : أبشر يا محمد ، أنا جبريل وأنت رسول اللّه لهذه الأمّة . ثم أخرج له قطعة نمط من حرير مرصّعة بجوهر ، فوضعها في يده ، وقال : اقرأ . فقال : « ما أنا بقارئ » . فضمّه وغطّه حتى بلغ منه الجهد ، ثم قال : اقرأ . فقال : « ما أنا بقارئ » . فغطّه كذلك ثلاثا ، ثم قال : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 ) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( 3 ) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [ العلق : 1 - 5 ] ثم قال : انزل من على الجبل . فنزل معه إلى الأرض فأجلسه على درنوك « 1 » أبيض ، وعليه ثوبان أخضران ، ثم ضرب برجله الأرض ، فنبعت عين ماء ، فتوضّأ جبريل ، وأمره أن يفعل كفعله ، ثم أخذ كفّا من ماء فرشّ به وجه الرّسول ، ثم صلّى به ركعتين ، وقال : الصلاة هكذا . وغاب . فرجع إلى مكّة وقصّ على خديجة رضي اللّه عنها وقال : « قد خشيت على نفسي » فثبّتته ، وصدّقته ، فكانت أوّل من آمن . ثم أتت به ورقة بن نوفل فقصّ عليه ما رأى ، فصدّقه ، فكان أوّل رجل آمن به ، وقال : هذا النّاموس الذي أنزل على موسى عليه السلام ، ليتني أكون حيّا إذ

--> ( 1 ) الدّرنوك : ضرب من البسط له خمل قصير . التاج ( درنك ) .